محمد أبو زهرة

154

المعجزة الكبرى القرآن

من هذا البناء ، والخيال يرى الصورة من وراء العبارات كأنها بين يديه حقيقة بالعيان وليس خبرا من الأخبار ، وإن كان يذكر في أعلى صور القصص المصور . ثم ترى الإيذان بالابتعاد عن موطن الغرق ، وقد فار التنور ، وإني قد أدرك من هذا أنها كانت تسير بالبخار إذ فار التنور فتحركت بعد أن فار ، واللّه تعالى أعلم بمراده ، وإن كان اللفظ دالا ، بل هو مصور لتنور فار فحرك ببخاره ما حرك من آلات تسيّر السفينة ، وتجرى بهم في موج كالجبال ، والقارئ يرى في هذا صورا تثير الخيال ، وتجعل الخبر مرئيا أو كالمرئى ، وإن ذكر الموج في هذا المقام يصور كيف كان السيل عارما ، وأنه لم يكن غيثا حتى لم يبق إلا من خرج بالسفينة نجيا . ثم نجد في ذلك القصص أمرا معنويا مصورا كأنه ملموس ، وهو حنان الأب ، ورفقه بولده ، فقد رأينا في النبي المجاهد عاطفة الأبوة تعلو ؛ فينادى ابنه وكأننا نسمع النداء في مشهد من مشاهد الأبوة ، ثم نجد الابن ، وقد غره غرور الصبا ، والابتعاد عن التصديق ، حتى حسب أنه بمنجاة من الغرق ، إذ اعتصم بجبل آوى إليه ، وحال بينه وبين أبيه الموج ، فكان من المغرقين ، والأب تنفطر نفسه ، فتغلبه شفقة الأبوة عن رؤية أمارات الموت ، ويتجه إلى ربه باكيا حزينا إذ نجا أهله إلا ابنه ، فيقول ، وكأننا من فرط التصوير نسمع أنين الأب ، بعد أن نجا كل من في السفينة ، وقد استوت في طريقها وهلك الظالمون ، يضرع إلى ربه يقول : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وكان قد وعده ربه بأن ينجى أهله ، فيقول : إن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين ، وهنا نجد رب العالمين يبين أنه داخل في عموم الكافرين ، لأنه كفر ، وأهلك هم الذين آمنوا ، ولم يعارضوك ، ويقول سبحانه : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) . تعارض العطف مع الواجب ، فتحت قوة العاطفة الأبوية نطق بما نطق فنبهه اللّه تعالى إلى الواجب ، ولم ينبه غافلا ، ولكنه نبه يقظا مؤمنا ضارعا وإن كان قد ناجى ربه بصوت البشرية ، فتاب ، و قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) . القصص الحق المصور في أهل الكهف 91 - ومن أروع القصص القرآني المصور في صدقه ، وسرد حقائقه قصة أهل الكهف التي هي آية وحدها في التصوير البياني القصصى الصادق ، وهي في كل جزئية تصور الأمر كأنه مرئى بالحس ، لا مذكور بالخبر وحده واقرأ قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً